السبت، 17 سبتمبر، 2011

اليورانيوم المنضب يدمر الموروث الجيني لاطفال الحويجة




محمد عبدالله / كركوك
كان (يوسف علي) ينظر الى يديه ويحاول تحريك اصابعه التي لم تنمو منذ ولادته، لم يكن ليوسف واهله ذنب فيما فقد من اطرافه سوى انهم قرروا البقاء في بيتهم عندما كانت رياح المواجهات تعصف بين الجيش الامريكي ومسلحون في(قضاء الحويجة)، لا يزال (يوسف) ذو الخمسة سنوات ينظر الى ايادي الاطفال وينتظر ان تنمو اصابع له كباقي ابناء جلدته.

 شهدت الحويجة (30 ميل جنوبي مدينة كركوك)  منذ اجتياح العراق عام 2003 معارك بين الجيوش المتحالفة ومسلحون، واعتبرت من المناطق الساخنة.

نشرت منظمة (حقوق المرأة) تقرير تحمل الجيش الامريكي والحكومة العراقية مسؤولية انتشار الامراض السرطانية بين الاطفال في القضاء والقرى التابعة له، بسبب وجود ميدان رمي للجيش الامريكي، وان الحويجة تحولت الى مأساة انسانية لا تعترف بها الحكومة العراقية و الامريكية وانهم "يحرصون على ابقاء الموضوع طي الكتمان."

تقول ام يوسف: "نجونا بأعجوبة من القصف، كنا انا وزوجي في البيت، كنت لا ازال حامل بيوسف في الشهر السابع، عندما اشتدت المواجه في منطقتنا، وكنا نسمع دوي جميع انواع الاسلحة، حتى المروحيات كانت تقصف، الشظايا اخترقت الباب وقطعته، ولد يوسف في الشهر السابع وهو مشوها خلقيا"

في قضاء يبلغ عدد سكانه  364000نسمة، وتتبعه ناحية (الزاب، العباسي والرياض) سجل فيها (500 حالة) اصابة بمرض السرطان والارقام الحقيقية قد تصل الى (600 حالة).

يقول الدكتور عمر الكبيسي: "أن هناك رابطا بين التلوث الاشعاعي والبيئي في العراق ابان حرب الخليج الثانية والغزو الامريكي للعراق وبين ارتفاع معدلات الاصابة بالامراض السرطانية حيث كانت الحالات المسجلة عام 1990 لا تتجاوز 30 ألف حالة بينما تجاوزت الآن الـ150 ألف حالة مشيرا في الوقت عينه الى وجود تغييرات جينية خطيرة تكشفها الاصابات السرطانية."

تضيف ام يوسف: "بعد ولادتي يوسف و ظهور التشوه الخلقي في اطرافه وبعض اجزاء جسمه، حملت بطفل اخر الا انه توفي قبل ولادته" كما ويعاني اطفال شقيقة ام يوسف من المرض عينه (تصلب قشرة الدماغ) وتشك ام يوسف ان يكون سببه غازات التي كانت تستخدم من قبل الجيش الامريكي ابان القتال، وتسند كلامها الى ان ابنها الاكبر لا يعاني من مشاكل خلقية.

تؤكد منظمة (السلام الأخضر) استخدام قوات التحالف الأسلحة المحرمة أثناء وبعد اجتياح العراق مثل (القنابل العنقودية والنابالم والفسفور الأبيض واليورانيوم المنضب)، فقد استخدمت الولايات المتحدة (2000) طن من اليورانيوم المنضب، إضافة إلى (800) طن استخدمت في عام 1991. أدت إلى زيادة كبيرة في أعداد المصابين بالأمراض ومنها سرطان الدم والأورام الخبيثة مع ارتفاع نسبة المصابين من الأطفال بالتشوهات الخلقية.

ميدان الرمي الامريكي في كركوك
انشأت القوات المتحالفة بعد اجتياحها العراق عام 2003 ميدانا للرمي في كركوك، يبعد 2 كم عن قرية (كبيبة) شمال غربي قضاء الحويجة،  يقطنها 205 عائلة واغلب بيوتها مبنية من الطين، تعاني من تصدعات وتشققات في الجدران والسقوف، وحسب تقرير اعدته شبكة الحويجة لمنظمات المجتمع المدني: " يتعرض سكان القرية للاصابة بالكثير من الأمراض بسبب وضعية بعض المساكن  منها دخول الغبار والأتربة الملوثة القادمة من ميدان الرمي ... وكذلك لعدم توفر الماء الصالح للشرب."
الطفل يوسف علي

يقول محمود علي مدير منظمة الجيل للتنمية البشرية: "يمتد تأثير ميدان الرمي بمحاذات نهر الزاب ليصل الى مناطق هور السفن وقرية حلوه وسطى حيث توجد أعداد كبيرة من التشوهات الخليقة والسرطانات والعقم مسجله في منظمتنا" موضحا ان "يبلغ عدد سكان قرية الكبيبة ما يقارب 1200 شخص وسجل فيهم ( 27 حالة) اصابة ".

حسب التقرير الذي نشرته منظمة (حقوق المرأة) ، الحكومة المحلية في كركوك والقوات الامريكية تتكتم على الموضوع وقد استدعوا الشخص الذي اخذ عينة من التراب لفحصه، الملفات المرفقة مع التقرير تؤكد ان هناك (429 حالة) اصابة بين الاطفال، وان (165 طفل) منهم  يتجاوز عمره العشر سنوات اي قبل انشاء الميدان، وان (264 طفل) دون العشر سنوات ويوضح التقرير ان الميدان انشئ عام 2003 اي لم يمر على انشائه سوى عشر سنوات.

يوسف وعائلته لم يكونوا قريبين من الميدان فهم يقطنون مركز قضاء الحويجة، الان انه اصيب بـ(تصلب في قشرة المخ) كغيرة من اطفال الحويجة، وغالبا ما يكون السبب هذا المرض هو نقص الاوكسجين او التهاب الكبد الفايروسي او تعرض احد الوالدين لمواد مشعة مثل اليورانيوم، ربما الميدان واحدة من المسببات الكثيرة لتلك الامراض كما قال محمود علي.

البيئة العراقية ملوثة الى الابد

يؤكد العالم الذري الامريكي (لورين موريت) ان النظائر المشعة المستخدمة في العراق منذ العام 1991، يعادل عشرة اضعاف المستخدمة في (هيروشيما وناكازاكي)  ويضيف: "إن الموروث الجيني المستقبلي للشعب العراقي، في جزئه الأكبر، قد تم تحطيمه. كما أن البيئة العراقية الحالية مليئة تماماً بالنظائر المشعة الفعالة القاتلة."

يوسف ذو البشرة السمراء والشعر الابيض لم يفقد اصابعه فقط فلم ينمو له اسنان ويعاني من اضطرابات نفسية وحساسية حادة، تشتكي ام يوسف من مشكلة مادية في معالجة يوسف تقول: "اخذت يوسف الى مستشفى في كركوك وقد استدنت اجرة الطريق، واخبروني بان علاجه غير متوفر في العراق "

هناك مساحة تقدر بـ(1718) كيلو متر مربع مقاربة لمساحة مدينة لندن الكبرى ملوثة بألغام أرضية. وهناك 30% من القنابل الانشطارية التي استخدمت لم تنفجر، منذ حرب الخليج الأولى، فإن معدلات الولادات المشوهة للأطفال والسرطان في العراق زادت إلى سبعة أمثالها مقارنة بفترة ما قبل الحرب.

وكنتيجة لذلك تلوث (350) موقع وان السلطات العراقية الرسمية نفسها تعترف بها  ملوثة خلال عمليات القصف بأسلحة تحتوي على اليورانيوم المنضب، وجرى توثيق استخدام الفوسفور الأبيض واعترفت قوات التحالف باستخدامه خلال الغزو وخلال معارك الفلوجة.

ولأن اليورانيوم المنضب له قدرة على البقاء العمري لنصف ألـ 4.5 بليون سنة، فإن منطقة الشرق الأوسط (بخاصة العراق) ستكون مغمورة بالنظائر المشعة الفعالة إلى الأبد!! (عند عدم تنفيذ برنامج شامل لتنظيف البيئة)

الانتخابات القادمة ستكون الفيصل
تبين ام يوسف والنساء الاتي اصطحبنا اطفالهن الى مركز العلاج الطبيعي، انهم وعشائرهم لن يدلوا بأصواتهم للذين فازوا في الانتخابات السابقة، احدى النساء قالت وهي تغادر المكان: " لن ننتخب احد، لمن نصوت؟ اين هم؟ ليحلوا مشاكلنا " 

نفى نائب محافظ كركوك الذي هو بالاصل من قضاء الحويجة ، في تصريح سابق لوكالة (كركوك ناو) علم إدارة المحافظة بشأن وجود ميدان للرمي وانتشار الأمراض، قائلا: " ليس لدينا علم بالموضوع ولم يحدثنا عنه أحد... لو كان هناك شيء من هذا القبيل، فليشتكي الناس حوله".

يقول احدى سكان القضاء وعضو منظمة (حقوق المرأة): "برغم وجود مسؤولين على مستوى المحلي والعراقي من قضاء الحويجة الا انهم لا يقومون بشيء لحل مشكلة الامراض، وسنقوم بحملة تثقيف للأهالي في الانتخابات القادمة لن نسمح بصعودهم مرة ثانية."

الجدير بالذكر هناك ثمانية مسؤولين على مستوى المحلي والعراقي من قضاء الحويجة اربعة منهم برلمانيين وواحد وزير بالاضافة الى ثلاثة اعضاء في الحكومة المحلية لمحافظة كركوك.

"يتسأل يوسف متى ستنمو اصابعي كي تشتري عمتي حذاء لي كما اشترت للاطفال الباقين؟" هذا ما قالته ام يوسف وهي تتنهد  واضافت وهي تعانق يوسف: "فقدت الامل في حكومتنا واشك بانهم سيساعدوننا في يوم ما، اتمنى من المنظمات التي تستطيع ان تساعدنا ان تمد يد العون، اريد ان يصبح ابني طبيعيا ويذهب الى المدرسة."

....................................................................................
كل من يستطيع مساعدة هؤلاء الاطفال اتمنى ان لا يتردد بالاتصال بي 

ليست هناك تعليقات: